عبد الملك الجويني

306

الشامل في أصول الدين

القديم خلق في أزله وكان يخلق ، فإذا امتنع قولهم : خلق بخلق ، والخالق جار على الماضي والمضارع ، وجب أن يمتنع إطلاقه أيضا . ومن متناقض القول بين أرباب الألباب أن يقول القائل : خالق ما خلق قط . ثم نقول لهم : لو وجب من الأصل الذي ذكرتموه ، وهو الحكم بقدم أسماء اللّه ، كونه خالقا على الجملة ، وجب تسميته خالقا على التفصيل ، حتى يقال : كان في أزله خالقا للجواهر على التخصيص . وقد امتنع من ذلك الكرامية . ولو تعسف منهم متعسف ، وارتكبه ، قرعناه بما لا مخلص له منه ، وقلنا : لو وجب طرد الأسماء ؛ مطلقها ومضافها ، لوجب أن يقال : كان الرب رائيا للعالم قبل وجوده . وهذا نص مذهب « السالمية » ، ومن أبعد الناس عنه الكرامية . فإنهم منعوا كون العدم معلوما ، فكيف يثبتونه مرئيا ! وكذلك يلزمهم أن يثبتوا أن اللّه تعالى كان عالما في أزله بوقوع وجود العالم وتحققه على ما لا سبيل إلى التزامه . فقد وضح بما قلناه انخرام مذهبهم ، وانتقاض مقصدهم ومرامهم . ثم نسائلهم عن الخالقية . فإن فسروها بالقدرة على الخلق ، كان أمرهم أقرب . وإن فسروها بوجه آخر ؛ لم يجدوا إلى الإيضاح سبيلا . ولا نراهم يفسرون الخالقية بصفة موجودة زائدة على الذات . إذ لو قالوا ذلك ، لزمهم إثبات جمل من الصفات التي تصدر عن أجناس الأفعال حتى يكون رازقا بالرازقية ، محسنا بالمحسنية ، وهكذا القول في المحيي والمميت ، والمعز والمذل . وليس من أصلهم إثبات الأحوال ؛ فيجعلوا الخالقية حالا . فقد وضح تناقض قولهم . ولم يكترث أحد من أئمتنا بالكرامية ، فلم نسلك طريق البسط في الكلام عليهم ، مع أنا لم نغادر نكتة تصلح للاعتماد إلا أومينا إليها . فإن قال قائل : الموجود الذي يتأتى منه الشيء ؛ قد يوصف به وإن لم يكن في حاله فعل ، ولذلك يسمى القادر على الكتابة كاتبا ، وإن لم يكن في حالة الكتابة ، وكذلك القول في جملة المحترفين . وهذا الذي ذكروه تسبب وتجوز وتوسع . وتسمية الناس العالم بالكتابة كتسميتهم المغمى عليه عالما إذا كان ممن يعلم في مستقر العادة عند انجلاء الغشية عنه ، مع العلم بأن حالته تنافي العلم . وكذلك قد يسمى السيف الحديد ، الغرار « 1 » ، المرهف ، قاطعا ، وليس

--> ( 1 ) الغرار : حدّ السيف والرمح والسهم .